محمد حسين الذهبي

372

التفسير والمفسرون

بعد ذلك نتكلم عن أهم من عرفناه من مفسري المعتزلة . وعن كتبهم التي ألفوها في التفسير ، ونسأل اللّه التوفيق والسداد . موقف المعتزلة من تفسير القرآن الكريم إقامة تفسيرهم على أصولهم الخمسة : أقام المعتزلة مذهبهم على الأصول الخمسة التي ذكرناها آنفا ، ومن المعلوم أن هذه الأصول لا نتفق ومذهب أهل السنة والجماعة ، الذين يعتبرون أهم خصومهم ؛ لهذا كان من الضروري لهذه الفرقة - فرقة المعتزلة - في سبيل مكافحة خصومها ، أن تقيم مذهبها وتدعم تعاليمها على أسس دينية من القرآن ، وكان لا بد لها أيضا أن ترد الحجج القرآنية لهؤلاء الخصوم ، وتضعف من قوتها ، وسبيل ذلك كله هو النظر إلى القرآن أولا من خلال عقيدتهم ، ثم إخضاعهم عبارات القرآن لآرائهم التي يقولون بها ، وتفسيرهم لها تفسيرا يتفق مع نحلتهم وعقيدتهم . ولا شك أن مثل هذا التفسير الذي يخضع للعقيدة ، يحتاج إلى مهارة كبيرة ، واعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل ، حتى يستطيع المفسر الذي هذا حاله ، أن يلوى العبارة إلى جانبه ، ويصرف ما يعارضه عن معارضته له وتصادمه معه . والذي يقرأ تفسير المعتزلة ، يجد أنهم بنوا تفسيرهم على أسسهم من التنزيه المطلق ، والعدل وحرية الإرادة ، وفعل الأصلح ، ونحو ذلك ووضعوا أسسا للآيات التي ظاهرها التعارض فحكموا العقل ، ليكون الفيصل بين المتشابهات وقد كان من قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة أو التابعين ، فإذا جاءوا إلى المتشابهات سكتوا وفوضوا العلم للّه .